يرى باتريك وينتور أن الحرب التي خاضها دونالد ترامب ضد إيران لم تقرّب واشنطن من أهدافها، بل دفعتها إلى موقع أضعف استراتيجيًا، حيث تزداد الكلفة وتتراجع فرص الحل السياسي.
تنشر الجارديان هذا التحليل الذي يكشف كيف تحوّل مسار الحرب من محاولة لفرض شروط أمريكية صارمة إلى أزمة معقدة تعيد رسم موازين القوة في المنطقة.
فشل الأهداف وتضخم الكلفة
تدخل الحرب أسبوعها الرابع بعدما توقعت الإدارة الأمريكية حسمها خلال أيام قليلة. تنفق الولايات المتحدة عشرات المليارات، بينما تتحمل إسرائيل كلفة يومية مرتفعة، ومع ذلك تبتعد واشنطن أكثر عن أي اتفاق مع طهران مقارنة بوضعها قبل الحرب.
تفشل الضربات العسكرية في إجبار إيران على تفكيك برنامجها النووي وفق الشروط الأمريكية الصارمة. في المقابل، تجد واشنطن نفسها مضطرة للتفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر ظل مفتوحًا لعقود طويلة رغم الأزمات السابقة.
يربك هذا التراجع القيادة العسكرية الأمريكية، خاصة مع تحول التهديد الإيراني من هجمات مباشرة إلى سلاح أكثر تأثيرًا: الخوف. يدفع هذا الخوف شركات التأمين ومالكي السفن إلى تجنب المرور، ما يعطل الملاحة دون الحاجة إلى تصعيد عسكري واسع.
إيران تفرض قواعد اللعبة
تستغل إيران موقعها الجغرافي لتعيد تعريف الصراع. تنشئ آلية غير رسمية تسمح بمرور السفن مقابل رسوم، ما يحول المضيق إلى مصدر دخل ضخم قد يصل إلى عشرات المليارات سنويًا.
تمنح طهران امتيازات لدول لا تعتبرها معادية، مثل الصين والهند، ما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي. في الوقت نفسه، تستمر الضربات الأمريكية دون تحقيق حسم، بينما تؤجل واشنطن قرارات تصعيدية خطيرة مثل استهداف البنية التحتية المدنية.
يتحول النفط إلى ساحة المعركة الحقيقية. يؤدي تعطيل أغلب حركة المرور في المضيق إلى حرمان الأسواق من ملايين البراميل يوميًا، ومع ذلك تبقى الأسعار أقل من المتوقع، ما يثير دهشة صناع القرار في واشنطن.
لا يقتصر التأثير على النفط فقط، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، حيث تمر عبر المضيق مواد حيوية مثل الأسمدة والمعادن، ما يكشف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي واعتماده على نقاط جغرافية محددة.
خسارة المبادرة الاستراتيجية
يرى محللون أن الولايات المتحدة فقدت زمام المبادرة مبكرًا، بينما أظهرت إيران قدرة عالية على التكيف. يشير مسؤولون سابقون إلى أن طهران نجحت في توزيع قدراتها العسكرية واتخاذ قرارات مبكرة عززت صمودها.
يؤكد خبراء أن إيران أدارت "ورقة ضعيفة" بمهارة، بينما وقعت واشنطن في أخطاء استراتيجية كبيرة. لا تقتصر الخسارة على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة الدولية.
يحذر مراقبون من أن هذه الحرب قد تمثل أحد أكبر الإخفاقات الاستراتيجية للغرب منذ الحرب العالمية الثانية، حيث فشلت في تحقيق أهدافها وخلقت أزمات جديدة أكثر تعقيدًا.
في الداخل الأمريكي، تتزايد الضغوط السياسية مع خوف من تحول الحرب إلى مستنقع طويل الأمد، ما قد يحدد إرث ترامب السياسي بالكامل.
خيارات صعبة ومستقبل غامض
تواجه واشنطن الآن مفترق طرق حاسم: إما التصعيد، أو التراجع، أو العودة إلى التفاوض. لكن أي خيار يحمل كلفة مرتفعة، خاصة مع رفض إيران تقديم تنازلات جوهرية.
يرى دبلوماسيون أن الحلول الواقعية قد تعتمد على الردع بدل الاتفاق الشامل، حيث يصعب فرض الشروط الأمريكية بالقوة أو التفاوض.
في المقابل، تعزز إيران موقعها التفاوضي مع شعور متزايد بأن ميزان القوة يميل لصالحها. تستخدم خطابًا إعلاميًا يسلط الضوء على فشل الاستراتيجية الأمريكية، ما يعزز ثقتها في الصمود.
في النهاية، تكشف هذه الحرب عن حقيقة قاسية: لا تُحسم الصراعات الحديثة بالقوة العسكرية وحدها، بل تتحكم فيها الجغرافيا والاقتصاد وسلاسل الإمداد. وبينما تسعى واشنطن لإعادة السيطرة، يبدو أن طهران نجحت في تحويل نقطة ضعفها إلى مصدر قوة.

